ابن عجيبة

175

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الأحباب ، وبقدر ما يتراكم على القلب من الخواطر والشواغل ، ويدخل عليه من المساوئ والرذائل ، يقع البعد عن اللّه ، ويطرد العبد عن باب اللّه ، فلا يدل على كمال العبد كثرة الأعمال ، وإنما يدل على كماله علو الهمة والحال ، وعلو الهمة على قدر اليقين ، وقدر اليقين على قدر المعرفة ، والمعرفة على قدر التوجه والتصفية ، والتوجه تابع للقسمة الأزلية . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . ثم إن العلماء بأحكام اللّه إذا لم يحصل لهم الكشف عن ذات اللّه يكونون حجة على عباد اللّه . والعلماء باللّه الذين حصل لهم الكشف عن ذات اللّه حتى حصل لهم الشهود والعيان يكونون حجة على العلماء بأحكام اللّه . فكما أن الأمة المحمدية تشهد على الناس ، والرسول يشهد عليهم ويزكيهم ، فكذلك العلماء يشهدون على الناس ، والأولياء يشهدون على العلماء ، فيزكون من يستحق التزكية ، ويردون من لا يستحقها ؛ لأن العارفين باللّه عالمون بمقامات العلماء أهل الظاهر ، لا يخفى عليهم شئ من أحوالهم ومقاماتهم ، بخلاف العلماء ، لا يعرفون مقامات الأولياء ، ولا يشمون لها رائحة ، كما قال القائل : تركنا البحور الزاخرات وراءنا * فمن أين يدرى الناس أين توجّهنا قال القشيري : ( جعل هذه الأمة خيار الأمم ، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة ، فهم خيار الخيار . وكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة ؛ فهذه الطائفة هم المدار وهم القطب ، وبهم يحفظ اللّه جميع الأمة . وكل من قبلته قلوبهم فهو المقبول ، ومن ردّته قلوبهم فهو المردود . فالحكم الصادق لفراستهم ، والصحيح حكمهم ، والصائب نظرهم ، عصم جميع الأمة من الاجتماع على الخطأ ، وعصم هذه الطائفة من الخطأ في النظر والحكم والقبول والرد ، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكل من لا يكون له اقتداء بالرسول فهو عندهم مردود ، وصاحبه كلا شئ ) . وباللّه التوفيق . ثم ذكر الحق تعالى حكمة نسخ القبلة ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 143 إلى 144 ] وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 143 ) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 )